الشيخ محمد رشيد رضا

29

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحامل لسلف الأمة على حفظ اللغة بمفرداتها وأساليبها وآدابها ، وإنما الحامل لهم على ذلك ما ذكرنا . ألف العلامة الأسفرائيني كتابا في الفرق ختمه بذكر أهل السنة ومزاياهم وعد من فضائلهم التي امتازوا بها على سائر الفرق : التبريز في اللغة وآدابها ، وبين ذلك بأجلى بيان . فأين هذه المزايا اليوم ، وأين آثارها في فهم القرآن ؟ بل وفهم ما دونه من الكلام البليغ ! وقد بينا وجه الحاجة في التفسير إلى تحصيل ملكة الذوق العربي ، وإلى غير ذلك من الأمور التي يتوقف عليها فهم القرآن ا ه أقول الآن : إن القرآن هو حجة اللّه البالغة على دينه الحق ، فلا بقاء للاسلام إلا بفهم القرآن فهما صحيحا ، ولا بقاء لفهمه إلا بحياة اللغة العربية ، فإن كان باقيا في بعض بلاد الأعاجم فإنما بقاؤه بوجود بعض العلماء العارفين من التفسير ما يكفى لرد الشبهات عن القرآن عندهم ، وبقاء ثقة العامة بهم وبما يقولونه تقليدا لهم فيه ، أو بعدم عروض الشبه لهم من دعاة الأديان الأخرى ، مع تأثير الوراثة والتقليد من قبيل ما يسمى في العلم الطبيعي : بحركة الاستمرار ، ولهذا اتفق علماء الإسلام من العرب والعجم على حفظ اللغة العربية ونشرها كما تقدم وكان العلم والدين في أوج القوة ، بحياة اللغة العربية . كان جميع من دخل في الإسلام يشعر بأنه صار أخا لجميع المسلمين وأن أمته هي الأمة الإسلامية ، لا العربية ولا الفارسية ولا القبطية ولا التركية . . . كما قال تعالى ( 21 : 92 وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) ومن البديهي أن وحدة الأمة لا تتم إلا بوحدة اللغة ، ولا لغة تجمع المسلمين وتربطهم إلا لغة الدين الذي جعلهم بنعمة اللّه إخوانا ، وهي العربية التي لم تعد خاصة بالجنس العربي إذا نظرنا إلى الأجناس ( المعبر عنهم في